يتناول ابن كثير القرآن سورةً سورةً، فيفسر الآيات بما يبيّن معناها من القرآن نفسه، فيجمع النظائر ويردّ المجمل إلى ما بُسِط في موضع آخر، والمطلق إلى ما يقيّده، ويستحضر الآيات المتصلة بالمعنى الذي يعالجه. فإن لم يجد البيان في القرآن رجع إلى السنة، فأورد الأحاديث المفسِّرة للآيات وما يتصل بأسباب نزولها وأحكامها ومعانيها، مستفيدًا من الصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها من كتب الحديث. ولا يقتصر في الروايات على سوق المتون، بل يجمع في بعض المواضع طرق الحديث وألفاظه، ويتكلم على أسانيدها ورجالها، وينبّه على الصحيح والضعيف والغريب والمنكر وما في بعض الأسانيد أو المتون من عِلَل، وقد يورد الرواية الضعيفة ثم يبيّن ضعفها أو يذكر ما يشهد لها، ويستقصي طرق بعض الأخبار إذا كان جمعها يوضح القصة أو يكشف اختلاف ألفاظها ودرجاتها. ثم يرجع بعد القرآن والسنة إلى أقوال الصحابة، ويكثر خاصة من الرواية عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، ويذكر طرق هذه الآثار بما يكشف تفاوتها في القوة، ثم ينقل عن التابعين، كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والحسن البصري وأبي العالية والضحاك وغيرهم، ملتفتًا إلى أن اختلاف عباراتهم قد يكون اختلافَ تنوع لا اختلافَ تضاد، إذ قد يعبّر بعضهم عن المعنى بلازمه أو نظيره ويعبّر غيره عن عينه.
ويعرض ابن كثير ما وقع بين المفسرين من خلاف، فلا يكتفي بحكاية الأقوال، بل ينظر في أدلتها ويرجّح بينها بالقرآن والسنة الثابتة وسياق الآية وسبب النزول وأقوال السلف ودلالة العربية، وقد يصرح باختياره بعبارات كالصحيح والظاهر والصواب والأرجح والأقرب، أو يضعف القول المقابل ويبيّن وجه ضعفه. ويدخل في أثناء ذلك في الأحكام الفقهية التي تتصل بالآيات، فيذكر مذاهب الفقهاء وأدلتهم ومواضع الاتفاق والخلاف حين تدعو الآية إلى ذلك، كما يعتني بغريب الألفاظ ودلالات العربية والإعراب، ويستشهد بالشعر عند الحاجة، ويورد بعض القراءات إذا كان لها اتصال ببيان المعنى. وله عناية ظاهرة بتمييز ما نُقل من أخبار بني إسرائيل؛ فما شهد له ما ثبت قبله، وما خالفه رده، وما سكت عنه الشرع فلا يصدقه ولا يكذبه، مع تنبيهه إلى أن كثيرًا من التفاصيل التي توردها تلك الأخبار لا ثمرة لها في فهم الدين، ولذلك يصرح في بعض المواضع بالإعراض عن كثير منها. وبهذا يجمع الكتاب في تفسير الآيات بين بيان بعضها ببعض، والرواية النبوية، وآثار السلف، ونقد المرويات، وبيان اللغة والأحكام، ومناقشة اختلاف المفسرين والترجيح بينهم بحسب ما يظهر له من الدليل.