يجمع هذا الكتاب مَتْنَيْن للحارث بن أسد المحاسبي؛ أولهما «مائية العقل ومعناه واختلاف الناس فيه»، يجيب فيه عن سؤال: ما العقل؟ فيردّ تعريفه إلى اللغة ودلالات القرآن والسُّنَّة واستعمال العلماء، ويميز بين 3 معانٍ يطلق عليها اسم العقل. فأصله عنده غريزةٌ يخلقها الله تعالى في الإنسان، تُعرف بآثارها وأفعالها ولا توصف في ذاتها بصفة جسمية، وليست هي نفس المعرفة أو العلم المكتسب. ثم يطلق العقل على فَهْم البيان وإصابة معنى ما يسمعه الإنسان أو يدركه، ويطلق كذلك على البصيرة التي يعرف بها قدر النافع والضار في الدنيا والآخرة، ويعظم بها قدر الله تعالى ووعده ووعيده وثوابه وعقابه.
ويتوسع المحاسبي في بيان الفرق بين مجرد امتلاك غريزة العقل وبين «العقل عن الله تعالى»؛ فقد يفهم الإنسان أمور دنياه ودقائق معاشه، أو يفهم الحجة والبيان، ثم لا ينتفع بما فهم بسبب الكِبر أو التقليد أو الهوى. أما من عقل عن الله تعالى فإن معرفته تثمر الخوف والطاعة والإنابة وتعظيم الثواب والعقاب، ولهذا يقسم الناس بحسب انتفاعهم بعقولهم إلى أصناف متفاوتة في الفهم والإقرار والعمل. ويجعل قوة العقل مرتبطةً بأثره في القلب والسلوك؛ فمِن كماله اجتماع الخوف من الله تعالى، وقوة اليقين بما أخبر ووعد وتوعّد، وحسن البصر بالدِّين والفقه فيما أمر الله تعالى به ونهى عنه. ومن هذا الأصل ينتقل إلى آثار المعرفة في التواضع والمحبة والرجاء والزهد ومحاسبة النفس وترك الاغترار بالدنيا.
ويأتي بعده «فهم القرآن ومعانيه»، فيبدأ المحاسبي بتنزيه الله تعالى وبيان علمه وقدرته وتدبيره، ثم يجعل القرآن أصلَ الهداية الذي ينبغي أن يتوجه العقل إلى فَهمه والعمل به. ويبحث في فضائل القرآن وأهله، وفي هيئة التلقي التي تعين على الفهم؛ فيدعو القارئ إلى إحضار قلبه وجمع همّه، ومنع العقل والجوارح من التشتت عما يتلوه أو يسمعه، حتى يصفو الذهن ويقوى الفكر ويستبين المعنى. ففهم القرآن عنده ليس إدراكًا لغويًّا مجردًا، وإنما تدبرٌ يفضي إلى اليقين والخشية والعمل ومحاسبة النفس على ما خاطبها الله تعالى به.
ثم يبحث المحاسبي الأدوات التي يحتاج إليها قارئ القرآن حتى لا يخطئ في معانيه، فيتناول النَّاسخ والمنسوخ، والمُحكم والمتشابه، والعام والخاص، والمكي والمدني، والتقديم والتأخير، والموصول والمفصول، وما يتصل بلغة القرآن ووجوه خطابه. ويفرق بين الأحكام التي يقع فيها النسخ وبين أخبار الله تعالى وأسمائه وصِفاته التي لا يدخلها النسخ، ويناقش في أثناء ذلك مسائل عقدية اتصلت بفهم الآيات؛ ككلام الله تعالى، والإرادة، والرُّؤية، والوعد والوعيد، ويرد على تأويلات بعض الفرق مستندًا إلى جمع الآيات وتمييز عامها من خاصها ومحكمها من متشابهها. وبذلك يلتقي الكتابان في أصل واحد: تحديد وظيفة العقل، ثم بيان كيف يستعمل هذا العقل في فَهم خطاب الله تعالى على وجه يثمر العلم واليقين والعمل.