يَجمع محمد بن عبد الكريم الشَّهْرَستاني في كتابه «المِلَل والنِّحَل» مقالات أهل الديانات والمذاهب والفِرَق، قاصدًا حصر ما تدين به الجماعات وما انتحله أصحاب الآراء في مصنَّف جامع مختصر. ويجعل أساس تصنيفه النظرَ إلى الآراء والمذاهب، فيقسم أهل العالم إلى «أهل الديانات والمِلَل» و«أهل الأهواء والنِّحَل»، ثم يرتب الطوائف بحسب أصولها وتفرعاتها. ويمهّد لهذا العمل بخمس مقدمات يبحث فيها تقسيم أهل العالم، والقانون الذي يضبط به تعداد الفرق الإسلامية، وأصل الشُّبَه والاختلاف، وبدايات الافتراق في الملة الإسلامية، والطريقة الحسابية التي اتخذها أساسًا في ترتيب أبواب الكتاب وتقسيمها.
ويضع لتعداد الفرق الإسلامية أربع قواعد كبرى تدور عليها أصول الخلاف: الصِّفات والتوحيد، والقَدَر والعدل، والوعد والوعيد والأسماء والأحكام، ثم السمع والعقل والرسالة والإمامة. وعلى أساسها يرد كبار الفرق إلى القدرية والصِّفاتية والخوارج والشيعة، ثم يتتبع ما يتشعب عنها من طوائف، فيعرض المعتزلة بأصنافهم، والجبرية، والصفاتية، والأشعرية، والكرامية، والخوارج بفِرَقهم، والمرجئة، والشيعة وما تفرع عنها من الكيسانية والزيدية والإمامية والغلاة وغيرها. كما يُلحق بذلك أهل الفروع المختلفين في الأحكام الشرعية، ويتناول الاجتهاد والتقليد وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي. ويختار في العرض أن يجعل أصحاب المقالات أصلًا، ثم يذكر مسائل كل مذهب ومقولاته، ويلتزم أن ينقل مذهب كل فرقة كما وجده في كتبها «من غير تعصب لهم، ولا كسر عليهم»، دون أن يجعل تصحيح الأقوال وإبطالها غرض العرض في كل موضع.
ثم ينتقل إلى المِلَل الخارجة عن الإسلام؛ فيعرض اليهود ومعتقداتهم وفِرَقهم، ثم النصارى والملكانية والنسطورية واليعقوبية، ويعقبهم بمن يجعلهم من أصحاب «شبهة الكتاب»، وفي مقدمتهم المجوس وما تفرع عنهم من الكيومرثية والزروانية والزردشتية، ثم الثنوية كالمانوية والمزدكية والديصانية وغيرها. وبعد ذلك يفرد قسمًا واسعًا لأهل الأهواء والنِّحَل، فيتناول الصابئة وأصحاب الروحانيات والهياكل والأشخاص والحرنانية، ثم الفلاسفة؛ فيستعرض مذاهب حكماء اليونان من طاليس وفيثاغورس وسقراط وأفلاطون إلى أرسطوطاليس ومن جاء بعده، ويتوسع في فلسفة المتأخرين من فلاسفة الإسلام، ولا سيما ابن سينا، في مباحث المنطق والإلهيات والطبيعيات والنفس والمعاد.
ويختم الشهرستاني نطاقه الواسع بعرض آراء العرب في الجاهلية، وما كان بينهم من إنكار للخالق أو البعث، وعبادة الأصنام، إلى جانب علومهم ومعتقداتهم وعاداتهم، ثم يتناول آراء الهند، فيذكر البراهمة وأصحاب التناسخ والروحانيات وعبدة الكواكب والأصنام وحكماء الهند. وتظهر خصوصية الكتاب في الجمع بين تاريخ الأديان وعلم الفِرَق والمقالات وتاريخ الفلسفة؛ إذ لا يكتفي بأسماء الطوائف، بل يسعى إلى رد كل فرقة إلى أصولها، وتمييز ما تشترك فيه مع غيرها مما تنفرد به، ونقل مقالاتها ومصادرها باصطلاحاتها، حتى ينتهي إلى صورة واسعة لمذاهب أهل العالم كما أمكنه الوقوف عليها، ويختم بقوله إنه نقل ما وجده من مقالاتهم ودعا إلى إصلاح ما قد يقع في نقله من خلل.