يسير ابن كثير في كتابه هذا على أبواب كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري، فيورد أحاديث الباب ثم يشرح ما يتصل بها ويضم إليها من الروايات والآثار ما يوضح المسألة. ويبدأ بنزول الوحي وأول نزول القرآن، ويتكلم على نزوله في ليلة القدر ثم نزوله مفرَّقًا، وعلى مدة نزوله، والمكي والمدني وما قيل في ضوابطهما، وعلى جبريل عليه السلام بوصفه السفير الذي نزل به على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يبيّن ما للقرآن من الخصائص التي تميزه من معجزات الأنبياء السابقة، ومن ذلك بقاء الحجة به واستمرار نقله وتحدي الخلق أن يأتوا بمثله. وينتقل إلى عربية القرآن ونزوله بلسان قريش، ثم يفصل في جمعه؛ فيورد خبر تكليف أبي بكر زيدَ بن ثابت بعد وقعة اليمامة بتتبعه وجمعه من المكتوب المحفوظ ومن صدور الرجال، وبقاء الصحف بعد أبي بكر عند عمر ثم حفصة، ثم يورد صنيع عثمان حين استنسخ تلك الصحف في المصاحف، وأرسل منها إلى الآفاق، وأمر بإزالة ما عداها دفعًا لاختلاف الناس في القراءة. ويتصل بذلك كلامه على كَتَبة الوحي، وترتيب الآيات والسور، ثم يبسط الروايات الواردة في نزول القرآن على سبعة أحرف، ويعرض الأقوال في معنى الأحرف السبعة ووجوه اختلاف القراءة، وينقل المناقشات في ذلك، مع التأكيد على النهي عن المراء في القرآن وما نشأ عن جمع عثمان من اجتماع الناس على المصحف الإمام.
ثم يتناول مَن اشتهر بحفظ القرآن وقراءته من الصحابة، وما ورد في أخذ القراءة عنهم، ويناقش الروايات التي حصرت مَن جمع القرآن في عدد معين، فينبّه إلى أن ظاهر الحصر لا يستقيم مع ثبوت جمع غيرهم له. ويورد فضائل تعلُّم القرآن وتعليمه، واغتباط صاحب القرآن الذي يقوم به، وما جاء في فضل القارئ العامل به، ثم يعرض لجملة من أحوال التلاوة وآدابها؛ كالقراءة عن ظهر قلب والقراءة من المصحف، وتعاهُد المحفوظ حتى لا يتفلّت، ومقدار ما يُقرأ من القرآن والمدة التي يختم فيها، والاستماع إلى قراءة غيره، وتحسين الصوت بالقرآن من غير حمل ذلك على الألحان المبتدعة، وما ورد في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ولا يمر ابن كثير بالأحاديث والآثار على جهة الجمع وحده، بل يقارن الروايات وطرقها، ويصل ما أورده البخاري بما رواه مسلم وأصحاب السنن وأحمد وأبو عبيد وغيرهم، ويحكم في مواضع على الإسناد بالصحة أو الجودة أو الضعف، وينبّه إلى التفرد والاختلاف والوهم، ويرجح بعض طرق الحديث على بعض، كما يناقش دلالة الرواية وما يستنبط منها. وبهذا تمتد مادة الكتاب من تاريخ نزول القرآن وجمعه وقراءاته ونَقَلته، إلى فضائل حمله وتعلُّمه وتعليمه وحفظه وتلاوته والعمل به، مع عناية مستمرة بتمييز الروايات وشرح ما ينبني عليها من مسائل تتصل بالقرآن وقراءته.