يفتتح ابن كثير «طبقات الشافعية» بترجمة مطوّلة للإمام الشافعي، فيجمع فيها نسبه ومولده ونشأته وطلبه للعلم ورحلاته وشيوخه في القراءة والحديث والفقه، ومن أخذ عنه، ومصنفاته، وأخباره ومناقبه، وما نُقل من ثناء الأئمة عليه، مع مناقشة بعض الأخبار المختلفة في سيرته والتنبيه على ما يراه غير ثابت منها. ثم ينتقل إلى الغرض الأساس من الكتاب، وهو جمع تراجم أصحاب المذهب والمشهورين بحمله من المتقدمين والمتأخرين. ويبدأ بالطبقة الأولى من النَّقَلَة عن الشافعي، مرتبين على حروف المعجم، ولا يحصرها فيمن اشتهر بالانتساب إلى مذهبه؛ بل يضم مَن روى عن الشافعي من أئمة الحديث وغيرهم، ويصرح بأن فيهم من هو مشهور بأنه من أهل مذهبه، ومن هو دون ذلك في الشهرة، ومن هو مشكوك في انتسابه إليه، ومن عُرف بأنه على غير مذهبه، وينبّه عند الحاجة إلى حقيقة صلته بالشافعي أو بالمذهب. ثم يجعل الطبقة الثانية فيمن لم يدرك الشافعي ومات إلى سنة 300، ويتابع بعد ذلك طبقات أصحاب المذهب بحسب العصور والسنين، مقسِّمًا كثيرًا منها إلى مراتب زمنية؛ كالطبقة الثالثة التي تبدأ بمن مات من سنة 301 إلى سنة 325، ثم المرتبة التالية إلى سنة 350، وهكذا في الطبقات اللاحقة.
وتتفاوت التراجم في الطول بحسب ما توفر لابن كثير من أخبار صاحبها ومكانته؛ فقد يقتصر في بعضها على الاسم والنسبة وشيء من حاله ووفاته، وقد يبسط في غيرها فيذكر مولده وبلده ورحلاته، وشيوخه الذين تفقه أو سمع عليهم، وتلاميذه والرواة عنه، وموقعه في المذهب، وما تولاه من تدريس أو قضاء أو خطابة أو إفتاء، ومصنفاته وتعاليقه واختياراته الفقهية، وما اشتهر به في الحديث أو الأصول أو التفسير أو اللغة وغيرها. وينقل في ذلك عن كتب الطبقات والتواريخ وأقوال الحفاظ والفقهاء، ثم يتدخل أحيانًا بالتعقيب والترجيح، فيصرح بأنه لم يعرف للرجل ترجمة أوسع مما وجد، أو أن خبرًا لم يثبت عنده، أو أن القول الأشهر غير ما نُقل، أو أن صاحب الترجمة أُدخل في الطبقات لسبب مخصوص؛ كما صرّح في ترجمة أبي الحسن الأشعري بأن ذكره كان لبيان زمانه وفضله وصلته برجال الشافعية. ويورد كذلك ما نُقل عن بعض المترجمين من مسائل واختيارات في المذهب، ويوازن أحيانًا بينها وبين المشهور عند الشافعية، كما لا يهمل ما يتصل بأحوال الرجل العلمية والعملية إذا كان له أثر في ترجمته، حتى تمتد بعض التراجم إلى ذكر أحداث حياته ومناصبه ومحنه ووفاته. وبذلك لا يقتصر الكتاب على سرد أسماء المنتسبين إلى المذهب، بل يرسم تعاقب طبقاته وانتقال الفقه الشافعي بين شيوخه وتلاميذهم، ويثبت ما أمكن من صلاتهم العلمية ومصنفاتهم وأعمالهم واختياراتهم، مع إظهار موضع كل مترجم من المذهب بقدر ما تسمح به مادته.