يحفظ «المنتخب من حديث شيوخ بغداد» طائفة من مرويات شيوخ أبي العلاء محمود بن أبي بكر الفرضي البخاري، وأصله أربعة أجزاء جمعها أبو العلاء من حديث شيوخه البغداديين، وتولى الحافظ جمال الدين أبو العباس أحمد بن محمد ابن الظاهري تخريجها له، ثم انتخب أبو حيّان الأندلسي مادته من النسخة التي كانت بخط ابن الظاهري بعد أن قرأ الأصل على أبي العلاء الفرضي. ويقوم بناء المنتخب على تراجم الشيوخ تتبعها نماذج من مروياتهم؛ فرتب أبو حيّان البغداديين على حروف الهجاء مع تقديم من اسمه محمد ثم أحمد، وأورد لكل شيخ حديثًا أو أثرًا أو شيئًا من الشعر، وقد يزيد للشيخ الواحد على حديث، من غير مقدمة يشرح فيها طريقته، بل شرع في سرد أسماء الشيوخ ومروياتهم مباشرة. وتشتمل الترجمة في مواضع كثيرة على اسم الشيخ ونسبه وكنيته أو وصفه، وقد يذكر مولده أو وفاته أو بعض ما يتصل بحاله، ثم يسوق طريق أبي العلاء إليه بصيغ السماع والقراءة والإجازة، مع تحديد موضع التلقي أحيانًا من مسجد أو مدرسة أو خان أو ناحية من نواحي بغداد؛ فمن ذلك التصريح بالقراءة والسماع في المدرسة المغيثية بالجانب الشرقي، أو بخان الخشبة من سوق الثلاثاء، أو بغيرهما من مواضع المدينة. ويبلغ عدد الشيوخ المسجلين في المنتخب 104 من البغداديين وغيرهم، مع أن شيوخ أبي العلاء بالسماع بلغوا 750 شيخًا، كما أضاف أبو حيّان في هوامش منتخبه جماعة من غير البغداديين ممن حصلت له الإجازة منهم باستدعاء أبي العلاء الفرضي.
وتتنوع المادة التي حفظها المنتخب بين الأحاديث المرفوعة والآثار والمواعظ والأخبار والحِكم والأشعار، وتجيء الأسانيد كاملة في كثير من المواضع، فتصل مرويات شيوخ بغداد بمن قبلهم من المحدثين حتى تبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة رضي الله عنهم أو التابعين ومن بعدهم، إلى جانب مواد لا تقتصر على الحديث المرفوع؛ ولذلك لم يجعل أبو حيّان انتخابه كتاب تخريج حديثي مفصلًا في العلو والنزول والموافقات والمصافحات ونحوها، وإنما اتجه إلى حفظ تراجم الشيوخ وشيء من مرويات كل واحد منهم، بينما لا يظهر عمل ابن الظاهري في الصورة المنتخبة إلا قليلًا بعد اختصار أبي حيّان للأصل. وتكشف التراجم كذلك عن حركة السماع في بغداد بعد الغزو المغولي؛ إذ يظهر أبو العلاء متنقلًا بين مدارسها ومساجدها وأحيائها، يقرأ على شيوخها ويسمع منهم، وفيهم المحدث والفقيه والمقرئ والأديب وغيرهم، فاحتفظ الكتاب بأسماء عدد من أهل العلم وبمواضع مجالسهم وطرق روايتهم في تلك الحقبة. وينص أبو حيّان في خاتمة المنتخب على أنه انتخبه من «الأجزاء الأربعة من شيوخ بغداد» من مسموعات أبي العلاء الفرضي، وأن ابن الظاهري هو الذي خرّج تلك الأجزاء، وأنه انتخبها من خطه، كما أثبت اتصالَه بالشيوخ المذكورين عن طريق الإجازة، وفرغ من انتخاب الكتاب في منزله بالبرقية في 25 جمادى الأولى سنة 708هـ. وبهذا يجتمع في الكتاب أصل أبي العلاء الفرضي القائم على شيوخه ومسموعاته، وتخريج جمال الدين ابن الظاهري لتلك الأجزاء، وانتخاب أبي حيّان الذي اختصر مادتها وحفظ منها أسماء الشيوخ ونماذج من حديثهم وآثارهم وأخبارهم.